الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

189

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والسنين في كبد السماء . بعد استعراضنا لأشكال القمر ومنازله يتضح تماما معنى الجملة التالية حتى عاد كالعرجون القديم ( 1 ) . وفي الحقيقة فإن الشبه بين العرجون والهلال من جوانب عديدة : من ناحية الشكل الهلالي ، ومن ناحية اللون الأصفر ، والذبول ، وإشارة الأطراف إلى الأسفل ، وكونه في وسط دائرة مظلمة تكون في حالة العرجون منسوبة إلى سعف النخل الأخضر ، وبالنسبة للهلال منسوبة إلى السماء المظلمة . والوصف ب‍ ( القديم ) إشارة إلى كون العرجون عتيقا ، فكلما مر عليه زمن وتقادم أكثر أصبح ضعيفا وذابلا واصفر لونه وأصبح يشبه الهلال كثيرا قبل دخوله المحاق . وسبحان الله فقد تضمن تعبير واحد قصير كل تلك الظرافة والجمال ؟ الآية الأخيرة من هذه الآيات ، تتحدث عن ثبات ودوام ذلك النظم في السنين والشهور ، والنهار والليل ، فقد وضع الله سبحانه وتعالى لها نظاما وبرنامجا لا يقع بسببه أدنى اضطراب أو اختلال في وضعها وحركتها ، وبذا ثبت تاريخ البشر وانتظم بشكل كامل ، تقول الآية : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون . من المعلوم أن الشمس تطوي في دورانها خلال العام الأبراج الاثني عشر ، في حين أن القمر يطوي منازله خلال شهر واحد ، وعليه فحركة القمر أسرع من حركة الشمس في مدارها اثنتي عشرة مرة ، لذا فإن الآية تقول بأن الشمس بحركتها لا يمكنها أن تدرك القمر في حركته فتقطع في شهر واحد ما تقطعه في سنة واحدة .

--> 1 - " عرجون " كما قال أغلب المفسرين وأهل اللغة : من الانعراج وهو الإعوجاج والانعطاف ، وعليه فالنون زائدة وهو على وزن فعلون ، ويعتقد آخرون أنه مأخوذ من " عرجن " فالنون ليست زائدة ، وبمعنى : أصل عنقود الرطب المتصل بالنخلة ، وتوضيح ذلك أن الرطب يظهر على شكل عنقود من النخلة ، وأصل ذلك العنقود يكون على شكل مقوس أصفر اللون يبقى معلقا في النخلة ، و " قديم " : بمعنى العتيق الذي مضى زمنه .